
بهذه العبارة يصف كارل ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت واحدة من اكثر حقائق التحولات السياسية تعقيدا، ان الدولة الجديدة لا تبدا من نقطة الصفر، بل ترث مؤسساتها واعباءها وطريقة عملها من المرحلة السابقة. وهذا ينطبق بصورة مباشرة على سوريا، التي تدخل مرحلة انتقالية لا تواجه فيها فقط مهمة اعادة بناء مؤسسات الدولة، وانما ايضا ارثا اقتصاديا واداريا تراكم على مدى عقود.
ومن بين اكثر الملفات حساسية يبرز اصلاح القطاع العام، ولا سيما في دولة عاشت طويلا في ظل اقتصاد شديد المركزية، حيث تحولت الوظيفة الحكومية تدريجيا من اداة لخدمة الادارة العامة الى احدى ادوات استيعاب البطالة وتخفيف الضغوط الاجتماعية.
فملف القطاع العام لا يرتبط بالموازنة العامة فحسب، وانما يمس ايضا حياة مئات الاف الاسر التي تعتمد على الوظيفة الحكومية كمصدر دخل. ومع الحديث عن الاصلاح الاداري، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تستطيع الدولة اعادة هيكلة مؤسساتها دون ان يتحول الموظف الى اول ضحايا المرحلة الجديدة؟
وللاجابة عن هذا السؤال، لا بد اولا من فهم حجم الارث الذي وصل الى الدولة الجديدة. اذ تكشف البيانات الرسمية المتاحة عن اتساع قاعدة التوظيف في القطاع العام السوري خلال تلك الفترة. فبحسب بيانات المكتب المركزي للاحصاء السوري التي اوردها صندوق النقد الدولي، بلغ عدد العاملين في القطاع العام نحو 1.246 مليون عامل عام 2003، وارتفع الى 1.292 مليون عام 2004، ثم بلغ 1.264 مليون عام 2005، و1.351 مليون عام 2006.1
ولادراك حجم العبء الذي انتقل الى المرحلة الانتقالية، تكشف بيانات سورية احدث عن استمرار ضخامة الجهاز الحكومي بعد سنوات الحرب. ففي كانون الاول 2024، اشار المركز السوري لبحوث السياسات الى ان عدد العاملين الحكوميين في المناطق التي كانت خاضعة للحكومة السابقة بلغ نحو 1.25 مليون عامل، ولم تصرف رواتبهم خلال ذلك الشهر.2
هذه الارقام لا تعني ان اعداد العاملين في القطاع العام ارتفعت بالوتيرة نفسها طوال العقود الماضية، ولا تسمح وحدها باجراء مقارنة مباشرة بين 2003 و2024 بسبب اختلاف الظروف وتعريفات البيانات، لكنها تؤكد ان الدولة دخلت المرحلة الانتقالية وهي تتحمل كلفة عدد كبير من العاملين، في وقت تراجعت فيه قدرتها الاقتصادية على تمويل هذه النفقات.
وبحلول السنوات الاخيرة من حكم النظام السابق، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بعدد العاملين، بل ايضا بالقيمة الحقيقية للاجور وقدرتها على تامين مستوى معيشي مقبول. ففي كانون الاول 2024، انخفضت الاجور الحقيقية للموظفين الحكوميين في المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة السابقة بنسبة 14.6 بالمئة مقارنة بالشهر السابق، وفق المركز السوري لبحوث السياسات، بينما كان خط الفقر المدقع للاسرة قد بلغ نحو 3.08 ملايين ليرة سورية شهريا.2
غير ان تضخم الجهاز الاداري في سوريا لم يكن نتيجة حاجة فعلية دائما الى هذا العدد من العاملين، بل كان انعكاسا لسياسات اقتصادية استمرت سنوات طويلة. ففي ظل محدودية الاستثمارات، وضعف القطاع الخاص، وارتفاع معدلات البطالة، تحول التوظيف الحكومي الى اداة لامتصاص الضغوط الاجتماعية، بدلا من ان يكون استجابة دقيقة لاحتياجات المؤسسات.
لكن هذه الحقيقة لا تقود الى تحميل الموظفين مسؤولية ما حدث. فالعاملون في القطاع العام لم يكونوا صناع القرار الاقتصادي، ولم يختاروا نموذج التوظيف الذي اعتمدته الدولة، بل اتخذوا في كثير من الحالات القرار الطبيعي بالبحث عن مصدر دخل مستقر في اقتصاد محدود الخيارات.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الحقيقة المقابلة، وهي ان الدولة الجديدة ورثت اقتصادا مثقلا بالالتزامات، ومؤسسات عامة تحتاج الى تمويل مستمر، بينما تراجعت قدرة الاقتصاد على الانتاج بصورة حادة خلال سنوات الحرب. فقد انخفض الناتج المحلي الحقيقي بنحو 62 بالمئة بين عامي 2010 و2014، وفق تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات.4
المعضلة الحقيقية اذن ليست الاختيار بين حماية الموظفين وانقاذ الاقتصاد، وانما كيفية حماية الاثنين معا.
في فيتنام، لم تكن اصلاحات دوي موي التي بدات عام 1986 مجرد اعادة ترتيب للجهاز الاداري، بل كانت تحولا اقتصاديا اوسع من الاقتصاد المخطط الى اقتصاد يعتمد بصورة اكبر على اليات السوق. وبين عامي 1989 و1992 انخفض عدد الشركات الحكومية في فيتنام الى النصف تقريبا، مع خروج نحو 800 الف عامل من تلك المؤسسات، لكن الدولة ربطت عملية اعادة الهيكلة بشبكات للتقاعد المبكر وتعويضات انهاء الخدمة.5
اما بولندا، فقد اختارت في بداية التسعينيات اصلاحا اقتصاديا سريعا عرف بخطة بالثيروفيتش، وبدا تطبيقه في كانون الثاني 1990. وتكشف التجربتان، رغم اختلاف ظروفهما، ان تقليص عدد العاملين في الدولة لا يمكن ان يكون الحل الوحيد لمشكلة القطاع العام. فكلما توسع الاقتصاد وازدادت فرص العمل خارج الدولة، اصبح انتقال جزء من العاملين الى وظائف جديدة اكثر واقعية واقل كلفة على المجتمع.
في الحالة السورية، يجب ان تبدا عملية الاصلاح بمعرفة الوضع الحقيقي للقطاع العام.3 فلا يمكن للدولة ان تقرر من تحتاج اليه ومن لا تحتاج اليه قبل ان تعرف عدد العاملين لديها، واماكن عملهم، وطبيعة وظائفهم، ومؤهلاتهم، والرواتب التي يتقاضونها.
وبهذه الطريقة، يصبح الاصلاح مبنيا على حاجة المؤسسات الفعلية، وليس على قرار مسبق بتقليص عدد الموظفين ثم البحث عمن سيتم الاستغناء عنه.
اما الموظفون الذين لم تعد مؤسسات الدولة بحاجة الى وظائفهم، فيمكن منحهم فرصة للانتقال الى سوق العمل من خلال برامج تدريب قصيرة تساعدهم على اكتساب مهارات مطلوبة، مع توفير حوافز للشركات التي توظفهم. كما يمكن ان تتضمن الخطة التقاعد المبكر الاختياري وتعويضات عادلة لمن يختار انهاء خدمته.
لكن اصلاح القطاع العام لن يكون كافيا اذا لم يترافق مع زيادة فرص العمل خارج الدولة. فالموظف الذي سيترك القطاع العام يحتاج الى فرصة عمل اخرى، والا تحولت عملية الاصلاح الى زيادة في البطالة والفقر.
وبذلك يصبح انتقال الموظف من القطاع العام الى القطاع الخاص انتقالا الى فرصة عمل جديدة، وليس انتقالا من وظيفة الى البطالة.
وفي الوقت نفسه، تبقى الشفافية شرطا اساسيا لنجاح اي خطة اصلاح. فالموظف قد يتقبل قرارا صعبا اذا عرف لماذا اتخذ، وما المعايير التي استند اليها، ولماذا بقي موظف في وظيفته بينما نقل اخر الى وظيفة مختلفة او انتهت خدمته.
كما يجب الفصل بين اصلاح القطاع العام ومحاسبة من ارتكب مخالفات او جرائم. فالعمل في مؤسسة تابعة للنظام السابق لا ينبغي ان يكون وحده سببا لفقدان الموظف لوظيفته.
فالاصلاح الحقيقي لا يعني التخلص من الموظفين، بل استخدام الموارد المتاحة بصورة افضل، وتحويل الموظف من جزء من مشكلة تراكمت خلال عقود الى جزء من عملية اعادة بناء الدولة والاقتصاد.